الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
57
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تعالى : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ [ البقرة : 19 ] وقوله تعالى : لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [ يوسف : 66 ] وقوله : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [ الكهف : 42 ] أي هلكت . فمعنى وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ظنوا الهلاك . وجملة : دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ جواب إِذا . ومعنى مخلصين له الدين ممحضين له العبادة في دعائهم ، أي دعوه ولم يدعوا معه أصنامهم . وليس المراد أنهم أقلعوا عن الإشراك في جميع أحوالهم بل تلك حالتهم في الدعاء عند الشدائد . وهذا إقامة حجة عليهم ببعض أحوالهم ، مثل قوله تعالى : أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ [ الأنعام : 40 ، 41 ] . وجملة : لَئِنْ أَنْجَيْتَنا بيان لجملة دَعَوُا لأن مضمونها هو الدعاء . والإشارة ب هذِهِ إلى حالة حاضرة لهم ، وهي حالة إشرافهم على الغرق ، فالمشار إليه هو الحالة المشاهدة لهم . وقد أكد وعدهم بالشكر بثلاث مؤكدات : لام توطئة القسم ، ونون التوكيد ، والتعبير بصيغة مِنَ الشَّاكِرِينَ دون لنكونن شاكرين ، لما يفيده من كونهم من هذه الزمرة التي ديدنها الشكر ، كما تقدم بيان خصوصية مثل هذا التركيب عند قوله تعالى : قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ في سورة الأنعام [ 56 ] . وأتى بحرف ( إذا ) الفجائية في جواب ( لما ) للدلالة على تعجيلهم بالبغي في الأرض عقب النجاة . والبغي : الاعتداء . وتقدم في قوله : وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ في سورة الأعراف [ 33 ] . والمراد به هنا الإشراك كما صرح به في نظيرها فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ [ العنكبوت : 65 ] . وسمي الشرك بغيا لأنه اعتداء على حق الخالق وهو أعظم اعتداء ، كما يسمى ظلما في آيات كثيرة منها قوله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] . ولا يحسن تفسير البغي هنا بالظلم والفساد في الأرض ، إذ ليس ذلك شأن جميعهم فإن منهم حلماء قومهم ، ولأنه لا يناسب قوله بعد إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ . ولمعنى هذه الآية في القرآن نظائر ، كقوله : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [ الزمر : 8 ] الآية . وزيادة فِي الْأَرْضِ لمجرد تأكيد تمكنهم من النجاة . وهو كقوله تعالى : فَلَمَّا